ابن عجيبة

492

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وَاللَّهُ غَفُورٌ لكم فيما سلف من المخالفة ، رَحِيمٌ بكم ، حيث رخّص لكم عند خوف الإثم نكاح الأمة ، يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ شرائع دينكم ، ومصالح أموركم ، وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي : مناهج من تقدمكم من أهل الرشد ، كالأنبياء والصالحين ، لتسلكوا مناهجهم ، كحفظ الأموال والأنساب ، وتحريم الأمهات والبنات والأخوات ، فإنهن محرمات على من قبلكم ، وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ أي : يغفر ذنوبكم الماضية ، أو يرشدكم إلى التوبة ، أو يمنعكم من المعاصي بالعصمة . وَاللَّهُ عَلِيمٌ بما أسلفتم وما تستقبلونه من أفعالكم ، حَكِيمٌ بما دبر وأبرم . وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ كرره توطئة لقوله : وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا عن الحق مَيْلًا عَظِيماً بموافقتهم على اتباع الشهوات واستحلال المحرمات ، وكأنه تعالى يقول : إنا نريد توبتكم ورشدكم ، والذين يتبعون الشهوات يريدون ميلكم وإضلالكم ، والمراد بهم الزناة ؛ لأنهم يودون أن يكون الناس كلهم زناة ، وأمّا من تعاطى شهوة النكاح في الحلال ، فإنه متبع للحق لا لهم ، وقد قال - عليه الصلاة والسلام - : « تناكحوا تناسلوا ، فإنّى مباه بكم الأمم يوم القيامة » . وقد كان سيدنا على - كرم الله وجهه - أزهد الصحابة ، وكان له أربع حرائر وسبع جواري سرّيّات ، وقيل : سبع عشرة ، وقيل : المراد بهم اليهود والنصارى ، لأن اليهود يحلون الأقارب من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت . وقيل : المجوس . يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ فلذلك شرع لكم الشريعة الحنيفية السمحة السهلة ، ورخص لكم عند المضايق في نكاح الأمة . وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً في كل شئ ، لأنه خلق من ضعف ، ويؤول إلى ضعف ، أسير جوعة ، صريع شبعة ، وخصوصا عن شهوة النساء ، فإنه لا يصبر عن الجماع ، ولا يكون في شئ أضعف منه في أمر النساء ، وعن عبادة ابن الصامت رضي اللّه عنه أنه قال : ( ألا تروني أنى لا أقوم إلا رفدا « 1 » ، ولا آكل إلا ما ليّن لي ، وقد مات صاحبي - يعنى ذكره - منذ زمان ، وما يسرني أنى خلوت بامرأة لا تحل لي ، وأن لي ما تطلع عليه الشمس ، مخافة أن يأتيني الشيطان فيحركه ، على أنه لا سمع له ولا بصر . ) . قال ابن عباس : ثماني آيات في سورة النساء ، هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت ، يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ، وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ، يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ، إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ . . . الآية ، إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ . . . * . الآية ، إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ . . . ، وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ . . . الآية ، ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ . . . الآية . ه . الإشارة : إنما ينزل المريد إلى العلوم الرسمية ، أو الأعمال الحسية ، إذا خشي الانمحاق أو الاصطلام في بحر الحقائق ، وإن صبر وتماسك ، حتى يتقوى على حمل أعبائها ، فهو خير له ، لأن الرجوع إلى الحس ، لا يؤمن من

--> ( 1 ) أي : إلّا بمعاونة غيرى .